أصبح العالم اليوم يدعو إلي الانفتاح والتعايش وفتح أبواب الحوار المسدودة في مختلف نواحي الحياة ويدعو إلى قبول واحترام ثقافة الأخر وحرياته فكل هذا يستوجب منا التفكير بعمق هذه الدعوة حيث أنها لم تأتي من مجرد رغبة العالم في الانفتاح بل هي حتمية المستجدات التي وضعته في بوتقة الانصهار مع حضارات وثقافات الشعوب نتيجة للتقدم المتسارع في مجال التكنولوجيا والاتصالات والنقل والتجارة إضافة إلي العلاقات السياسية بين الدول . لا أريد الابتعاد كثيرا عن موضوعي الأساسي, فحديثي موجه للشباب المسيحي في بلادنا و للشبيبة المسيحية أيضا كحركة علمانية كنسية أوليت اهتماما كبيرا منذ تأسيسها ,حيث تضم هذه الحركة شباب وشابات انتسبوا إليها ليدرسوا الكتاب المقدس بجزئية ويتبادلون خبراتهم الروحية والحياتية و يتحدثون عن مشاكلهم وصعوبات الحياة التي يواجهونها ... وتحاول الشبيبة دائما فتح الأبواب بين الشباب ومخلصهم يسوع ليلقوا بكل همومهم وأثقالهم أمام الرب فيخلصوا منها كما وعدهم في الإنجيل.
وفي الشبيبة تتطور علاقة الإنسان بالله وتنفتح في حياتنا أبواب الحوار الدائم معه ويدخل هو فيسكن فينا ونكون فيه ... فهذا هو الانفتاح مع الله والذات فيعيش الشاب المسيحي علاقة شخصية فريدة مع الرب ... لكن إلى أي مدى يمكن أن تكون هذه العلاقة مثلثة الأطراف
" أي الله – الإنسان – والآخر " ويكون الله الطرف الأساسي فيها ...
كثيرون من الشباب يعيشون علاقة قد يكون الله أو الآخر طرف ثانوي فيها يسهل الاستغناء عنه ... وهنا تكمن المشكلة في حياة الشاب المسيحي فيعيش حياته بعيدا عن الله و منعزلا عن الآخر وهذا يعني الانسلاخ التام عن المجتمع ..
وبناء على رأيي السابق حول العلاقة ثلاثية الأطراف يمكن وبإسهاب تصنيف الشباب المسيحي إلى ثلاث :
الصنف الأول : الشباب غير المبالي .
هم الشباب الذين يعيشون حياتهم المسيحية بشكل سطحي أو كما يقال "مسيحي ع الهوية " , ويتبين الله في حياتهم كحلقة ثانوية فلا يبالون بشؤونهم الروحية ولا بمسيرة وقضايا الكنيسة ودورها في المجتمع, ولا يهتم برسالته كشاب منح الأسرار ليأخذ مكانه الصحيح في مجتمعه . و قد يظهر وجود الله في حياته لكن ليس بالعمق الروحي وإنما نتيجة الإيمان الموروث من الأهل .
الصنف الثاني: الشاب المؤمن المنغلق :
وهو الشاب المسيحي الذي يحاول أن يجعل الله محورا أساسيا في حياته ويحاول أن يبني ذاته على أساس هذه العلاقة الثنائية ... ويظهر الله في تصرفاته وعقله لكن ضمن حدود الكنيسة والبيت والعلاقات المحدودة جدا . وهذا النوع يعيش إيمانه بعمق لدرجة الانسلاخ عن المجتمع وعن الآخر الذي يراه مختلف بالعقيدة والإيمان وهنا تكمن الخطورة الكبرى , لان الكنيسة في رسالتها أرادت للشباب أن يمتلئوا من النعم والنور وبالتالي يكونون سراج منيرا و مضيئا " فلا يعقل أن يضاء السراج ويوضع تحت الطاولة فلا يرى الناس نوره ! " ولا يتسنى للآخرين أن يروا أعمالنا,,, فكيف سيمجدون الله ويسبحونه إذا !! وبالتالي سيحرم المجتمع من الوجود والحضور المسيحي الفعال في الحياة العامة .
ويبرر هذا النوع من الشباب موقفهم بحجة أنهم يريدون أن يحيوا حياتهم المسيحية الخالصة دون الاندماج في المجتمع و دون الحاجة لبناء علاقة مع الآخر المختلف بالعقيدة والإيمان, لكنهم في الحقيقة غفلوا أنهم دخلوا حالة الانغلاق على الذات وهذا يعني أن الكنيسة بهؤلاء الشباب ستعيش في حالة من الانعزال دون أن تؤثر في أحداث ومتغيرات الوضع المحيط بها ... فتبقى في مكانها ساكنة لا تتحرك و لا تخضع لقوانين الحركة بل تجد نفسها خاضعة لقوانين السكون الدائم بسبب أولئك الذين يعيشون في زجاجة احكموا إغلاقها وأسموها الحياة المسيحية الخالصة لكنها في الحقيقية هي زجاجة الضعف والخوف . فالسيد المسيح حين أرسل تلاميذه قال لهم " اذهبوا ا وتلمذوا ....." , و( اذهبوا) تعني الانطلاق وترك حالة السكون المعتادين عليها.
ومن ناحية أخرى هناك تخوف كبير من قبل بعض الشباب المسيحي في موضوع الانضمام للشبيبة , فقد خيل لهم وكأنها حركة حزبية يسارية منبوذة من الدولة غير مرغوب بوجودها, متناسين أنها حركة كنسية قائمة على المحبة وروابط الصداقة والألفة فلا يوجد فيها زوايا للطائفية أو العنصرية أو حتى معارضات سياسية, فعلى الشباب أن يعوا بأننا نعيش في دولة الحريات الفكرية والتعددية ,و لك أيها الشاب حق ممارسة شعائرك ونشاطاتك الدينية بحرية وهذا الحق كفله لك الدستور بكل بنوده ... وهذه بحد ذاتها نعمة منحك إياها الله على هذه الأرض الطيبة ومن واجبك أن تمارس هذه الحقوق كمواطن مسيحي وإلا ستكون كالعبد الذي لم يستثمر وزنات سيده.
أما النوع الثالث فهو الشباب المؤمن المنفتح:
والتي تسعى الشبيبة المسيحية كحركة كنسية إلى صياغة شخصيته ... بحيث يكون حضور الله قوي في حياته , ومن جهة أخرى فهي توجه الشباب ليحيوا الانفتاح مع الآخر من خلال التعايش وقبول الاختلاف بصورة كاملة , وتحثه على المشاركة في الحياة العامة فيعطي مجتمعه الصبغة المسيحية وينقل كنسيته خارج الأسوار وتصبح الكنيسة قلبا نابضا وسط المجتمع تؤثر فيه و تقبل المتغيرات الجديدة وتتفاعل معها لكن بعقلانية الإنجيل ...
أن للشبيبة فلسفة رفيعة في صياغة الشاب المسيحي واكتشفت ذلك شخصيا في الاحتفال الكبير الذي أقيم لتدشين كنيسة الراعي الصالح - سيدة السلام في آذار 2008 ,حيث أشار سيادة المطران سليم الصايغ في كلمته بان " الشبيبة ثروة الكنيسة وثروة الوطن " فكان لهذه الكلمات صدا واسعا في صدري , حيث برز في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا لشريحة الشباب في الأردن لان مستقبل البلد مرهون بما سيقدمه في الحاضر , فكذلك مستقبل الكنيسة متوقف على جيل الشباب المسيحي فإما أن ينقلوا الكنيسة معهم في ركب التقدم المتسارع أو يتركوها مكانها فتصبح كالقلاع الأثرية تذكرنا فقط بتعاليم قد ننساها مع مرور الزمن .
فالشبيبة أصبحت مؤسسة تخرج للكنيسة شبابا مؤمنا وقادة علمانيين يقودون مسيرتها , وتعد للوطن مواطنا صالحا مثابرا منفتحا على العالم. والكنيسة في الشرق هي التي أنجبت المسيحية العربية في مخاض الحضارات التي بدورها ساهمت في رسم ملامح الحضارة العربية والإسلامية على حد سواء و رفدها بالعلماء و القادة والمفكرين فكان لهم بصمات يشهد لها التاريخ... فلا يجوز إغفال ما قدم الأجداد من مساهمات واضحة ...فعلينا أن نسعى أكثر ليكون حضورنا فعال في المجتمع لأنها ضرورة ملحة .
وقد جاء مقالي هذا كتعبير شخصي حول موضوع انفتاح الشباب المسيحي على المجتمع لنخرج من الصدفة التي تقوقعنا بها ولندعو انسفنا للمشاركة في علاقة ثلاثية يكون لله دورا أساسيا فيها ونقبل الأخر بحب و فرح كما طلب منا .
طارق حجازين - العقبة