 ولا أنا أحكم عليكِ... إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد...
منذ البداية يظهر التعارض بين الكتبة والفرّيسيين، المفسّرين الرسميين للشريعة، وبين يسوع. أوصانا موسى في الشريعة... وأنت ماذا تقول؟ الزنى يتبعه الحكم بالإعدام. كيف يتمّ؟ بالرجم، كما يقول تث 22: 23- 24 عن صبية غير متزوجة: "إذا كانت فتاة بكر مخطوبة لرجل، فصادفها رجل في المدينة فضاجعها، فأخرجوهما إلى باب تلك المدينة (حيث المحكمة) وأرجموهما بالحجارة حتّى يموتا". فاستنتج بعض الشرّاح أن المرأة الزانية في يوحنا رجمت، لأنها كانت عذراء غير متزوّجة. ولكن لا ننسى أن الرجم كان الطريق العادية للحكم بالإعدام عند اليهود (رج حز 16: 38- 40). وتلك كانت الحالة في أيام يسوع.
لماذا اقتادوا هذه المرأة إلى يسوع؟ فالمجلس الأعلى قد حكم عليها وانتهى! ولكن يسوع يقول: "ألم يحكم عليك أحد"؟ ثم كيف نتخيّل أن السلطات اليهودية ربطت حكماً رسمياً بواعظ "صغير" لا مكان له يعلّم فيه (هو يعلّم على الطرقات). وظنّ شرّاح آخرون أن الحكم لم يصدر في المرأة، لأن المجلس الأعلى لم يعد له بعد سنة 30 بعد الميلاد سلطان القضاء والحكم، بعد أن سلبه الرومان إمكانية الحكم بالإعدام. وقد نكون أمام خطف سريع لإمرأة أخذت في زنى، فطُلب من يسوع أن يوافق.
مهما يكن من أمر، فالفخ مرعب وسيسقط فيه هذا "الواعظ" لا محالة. إذا انضمّ يسوع إلى القائلين بالحكم على هذه المرأة حسب ناموس موسى، دخل في خط التمرّد على السلطة الرومانية. هذا من الوجهة السياسية. ومن الوجهة الدينية، يعارض أعظم ما في تعليمه حول إله رحيم وحنون. كان رفض أن يحكم، فهو يعارض موسى، السلطة العليا في العالم اليهودي. فخّ محكم، وهو قريب من حدث الجزية التي تُدفع لقيصر (مر 12: 13- 17( .
* وقف يسوع وجهاً لوجه أمام الشريعة...
نحن لا نجد في هذا النصّ الجواب على جميع أسئلتنا. فما لا يقوله يساعدنا على تركيز الخبر على يسوع الخاضع لمحنة صعبة قد تدلّ على ضعفه أو قوّته... فناموس الموت يعاقب بالإعدام هذه المرأة. هو يحكم على خطيئتها وحدها بشكل نهائي، ولا يقول شيئاً عن الرجل الذي خطئت معه، والذي هو مسؤول مثلها. جاء جواب يسوع لبقاً. وبدت لباقته انفتاحاً على الحياة لا انغلاقاً على الموت.
في البداية كان جواب يسوع الصمت. ظلّ يسوع جالسًا، ولم يجب على سؤالهم الأول إلاّ بخطوط رسمها على الأرض. هل كتب أموراً واضحة؟ تخيّل تقليد يعود إلى القدّيس ايرونيموس، أن يسوع دوّن خطايا متهميها. وافترض آخرون أنه كتب نصّ إر 17: 13: "كل الذين يتركونك يخزون. والذين مالوا عنك يكتبون على التراب". أو خر 23: 1: "لا تضع يدك بيد الشرير لشهادة زور".
وفكّر آخرون بالقاضي في الشرع الروماني، الذي يكتب أمامه الحكم قبل أن يعلنه. أما يسوع، فرسم خطوطاً على الأرض ليطول الصمت فيعطي الحكم الآتي وزنه وأهميته... وإصبعه المنتصب هو تساؤل وحكم على قضاة ينسون خطاياهم الخاصة...
وألحّ القضاة، فأحالهم يسوع إلى وضعهم كخطاة أمام هذه الشريعة التي يرفعون رايتها: "من لم يخطىء يومًا..."!!! فراحوا وهم يجرّون أذيال الخيبة. وكان أول الذاهبين الشيوخ الذين كانوا أحكم من غيرهم في التعرّف إلى حالتهم الخاطئة.
وانتهت المحنة، وخرج يسوع منتصراً. فلم يبقَ إلاّ ذاك الذي لم يعرف الخطيئة (يسوع) وتلك التي أعلنت خطيئتها (المرأة). وقال اغوسطينوس: "بقي اثنان في الساحة المرأة التعيسة والرحمة اللامتناهية...
لم يبق هناك إلاّ يسوع والمرأة (آ 10- 11).
إنتهت المواجهة وانتهى الجدال... والخبر سينتهي أنه "إمرأة لا مستقبل لها وقد سُجنت في حلقة الموت"... لقد أغلقوا عليها في دائرة حكمهم... إنفتحت دائرة، ولكنها ظلّت مسجونة فيها لا تجسر أن تخرج منها. إنها تحتاج إلى من يكلّمها ويسمح لها بأن تخرج من سجن خطيئتها. هذا ما فعله يسوع... قال لها: "إذهبي، ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد... حينئذ صارت إنسانة، وانفتح المستقبل أمامها من جديد. لم تلغَ الشريعة ولم تُمح. ولكنها صارت "إنسانية" (رحيمة)، صارت طريق حياة وفداء... وكشف يسوع عن نفسه أنه معلّم حكمة، معلّم الإنسان. |