ولما حانت أيام ارتفاعه، عزم على الاتجاه إلى أورشليم. فأرسل رسلا يتقدمونه، فذهبوا فدخلوا قرية للسامريين ليعدوا العدة لقدومه.فلم يقبلوه لأنه كان متجها إلى أورشليم. فلما رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنا قالا: (( يا رب، أتريد أن نأمر النار فتنزل من السماء وتأكلهم؟)). فالتفت يسوع وانتهرهما. فمضوا إلى قرية أخرى.
* ولما حان وقت ارتفاعه، عزم على التوجه إلى اورشليم.
رسم لوقا صورة المسيح النبي في الجليل، هذا المسيح الذي كشف عن ذاته فعارضوه حالاً. أما الآن فقد بدأ مسيرته (خروجه) إلى أورشليم. وهذ المسيرة تتمّ بارتفاعه على الصليب، بارتفاعه في المجد.
إتخذ يسوع قراره وتوجّه الى المدينة المقدسة، موضع "اختطافه" وصعوده. وهو لم يكن وحده حين بدأ الحج إلى أورشليم. بل كان معه تلاميذه. ومسيرته ليست فقط مسيرة جغرافية فيها ينتقل من مكان إلى مكان. إنها مسيرة روحية يدعو فيها تلاميذه ويدعونا لنكون تلاميذه فيقودنا الى حيث يريد.
إتبع لوقا تصميماً خاصاً به ومبنيّاً حول مسيرة يسوع إلى اورشليم. هناك عمل يسوع عمل النبي في العهد القديم، فسار بدون تردّد الى الموت الذي ينتظره لأن رسالته تمرّ في هذه الطريق. وجعل المرسلين يسيرون أمامه باحتفال. أرسلهم وأوكلهم بأن يهيئوا له الطريق ويجدوا له ولرفاقه مكاناً يأوي فيه.
هنا نحسّ بقوة البغض التي تفصل اليهود عن السامريين. حتى قاعدة الضيافة المعروفة عندنا قد سقطت. وفي مناخ المعارضة هذا، كانت ردة الفعل عند "ابني الرعد" عنيفة. أرادا، مثل إيليا، أن ينزلا النار من السماء على المعاندين (2 مل 1: 10) إكتفى يسوع بأن يوبخهما. ما زالت الطريق أمامهما طويلة قبل أن يفهما تعليمه البعيد عن العنف، ويسيرا في طريق الصليب التي بدت معالمها بارزة.
وكانت لقاءات ثلاثة مع يسوع، اثنان منها انتهيا بالفشل.
في الحالة الأولى، أتخذ انسان طريقاً معارضاً للفريسيين فأكّد عزمه على إتباع يسوع حيثما يذهب. إن التعلق الذي نراه هنا بيسوع، يذهب بعيداً. غير أن يسوع لا يرفض هذا التلميذ الذي يبادر إلى اختيار معلّم، كما يختار تلميذ رابي من الرابانيين. ولكنه يحذّره من كل سراب. وقدّم نفسه على انه "ابن الإنسان". يستعمل هنا ليدلّ على طريق الألم الذي يتخذه يسوع، والذي هو طريق العزلة والتجرّد والاقتلاع. ولا يوضح الخبر إن كان هذا الرجل قد حافظ على سخائه الأول: لقد أراد الإنجيلي أن يشدّد على متطلّبات تُفرض على من يتبع يسوع.
والحالة الثانية توافق ممارسة عادية عند يسوع الذي "يدعو من يشاء" (مر 3: 14). غير ان ذاك الذي دعاه ليكون في عداد تلاميذه، قد طلب مهلة. طلب يوماً ليدفن أباه. إن يسوع لا يرفض ما تطلبه التقوى اليهودية التي توصي بإكرام الوالدين (خر 20؛ 12). إنه يطلب من يسوع ان يعطيه الوقت اللازم ليرافق أباه المريض الى ساعة موته. ولكن الوقت ثمين. والأزمنة الأخيرة هي هنا، ويسوع يطلب منه جواباً مباشراً: من يلتزم بأن يسير وراء يسوع، يترك عالم الموتى ويدخل منذ الآن في الحياة. ووسّع يسوع سؤال الرجل المركّز على والده: كل الذين يعيشون في العالم دون أن يهتموا للحياة الأبدية، هم منذ الآن في جانب الموت.
هناك مؤمنون يشبهون يعقوب ويوحنا خلال صعود يسوع إلى أورشليم الجديدة، إنهم يريدون أن تنزل "نار من السماء" فتجبر هذا العالم المعادي او اللامبالي لكي يتقبّل بشرى المسيح.
وكما فعل يسوع مع يعقوب ويوحنا، ها هو يوجّه كلامه الى الذين يحنّون إلى إكراه أدبي لا يحترم حرية الإنسان، ويقدّمون صورة مشوّهة عن هذا الإله الذي يريدون أن يدافعوا عنه ويكرموه. وهكذا تكون خدمتهم له خاطئة وضالّة.
وما زال يسوع يتوجّه الينا بالطريقة التي بها قام برسالته. فمسيرته الفصحية تبدّل رغباتنا الخفية بأن "ننتصر على أعدائنا" كم يصعب على البشر أن يقبلوا بكنيسة "خادمة وفقيرة" تكون مثل معلمها الذي لم يكن له موضع يسند إليه رأسه.
كم يصعب علينا أن نؤمن أن واجبنا ليس بأن ندافع عن الحق، بل أن نتمثّل بيسوع نفسه فنشهد للحق حتى بذل ذاتنا بكليتها. فالله يحتاج إلى "شهود" لنعمته، شهود لمجانية حبّه المحرّر، شهود لغفرانه. ولا يحتاج إلى رجال لهم عضلات من أجل القتال.
ونرى في هذا الإنجيل عبر مشاهد ثلاثة قصيرة، ما معنى إتباع يسوع السائر إلى أورشليم. دُعي الأول لأن يتخلّى عن الطمأنينة والرخاء، أن يحيا مغامرة الحب، أن يكون مثل يسوع فيكون حراً على طرق العالم ليخدم جميع البشر ويشهد أن ملكوت الله هو كنزه الوحيد.
وقال يسوع للشخص الثاني إن إعلان ملكوت الحب يمرّ قبل سائر الواجبات حتى واجب إكرام الوالدين أو الموتى حين نتبع يسوع نقبل أن يوجّهنا مثله مخطط حب الله الذي يجعل كل شيء نسبياً.
ويكون التلميذ دوماً مثل معلمه. يدفعه الحب (لا وقت له يضيعه) ويحرّره الروح من كل ضغط خارجي. يكون من الحجّاج السائرين نحو مطلق الحب، مطلق الأب.
القطيع يتبع راعيه، الجموع تتبع يسوع لتسمع له. والذين شفاهم يسوع يتبعونه ويدلّون على عرفان الجميل نحوه. والجماعة الصغيرة التي دعاها يسوع، تخلّت عن شباكها لتتبعه. وهناك نساء يتبعنه مثل مريم المجدلية. قال يسوع لبطرس: تعال اتبعني. وهكذا قال لفيلبس ومتى وهو نداء يقود من يتجاوب معه الى سير في طرق الجليل، والصعود الى أورشليم في الأعياد الكبرى، وإتباع يسوع إلى حيث يمضي.
وإتباع يسوع هذا يدل على موقف يميّز تلميذ يسوع من الآخرين. هناك طرق اخرى ممكنة وقد تبعدنا عن الله. قال باروك 1: 22 "تبع كل واحد أهواء قلبه الشرير واخذ يعبد آلهة غريبة".
هناك أناس تبعوا مشاريعهم وميول قلبهم. ولكن الله يقود المؤمن في الطريق الذي يجب أن يتبعه. ويقول بولس الرسول: "سلام على الذي يتبعون هذه القاعدة" (غلاطية 6: 16) وهنأ تيموتاوس: "لقد تبعت التعليم الصحيح، وتغذّيت من كلمات الإيمان".
مناجاة: من شروط المسيح في تلميذه الصحيح، أن يهجر من أجله ذاته وذويه ودنياه. فلنطلب إليه أن يجعلنا في كل حين من تلاميذه الصالحين
-من أجل كنيسة الله المقدسة، وهي جماعة تلاميذ المسيح ، لكي تعلم الناس كيف يزيلون من الصدور أجرة الثعالب وأوكار الطيور.
- من أجل كل من طرقت دعوة المسيح أذنيه، لكي يلبي الدعوة حرا من قيود الأهل والنفس، طليقا من عقالات الأرض .
- من أجل كل من وضع يده على المحراث في حقل المسيح، لكي يبقي المسيح علي المحراث يديه، والى الأمام عينيه،