بواسطة: jecjordan بتاريخ : الأربعاء 13-08-2008 10:52 صباحا
يطلّ علينا يوم الخامس عشر من آب في كل عام ليذكرنا بأهم أعياد الكنيسة المقدسة والتي نعيّد فيه ونُحيي ذكرى رقاد وانتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء. لذلك يجدر بنا بهذه المناسبة أن نقدّم لأبناء الشبيبة بعض المعلومات كي تساعدهم في فهم معنى العيد وأصل العقيدة علّها تشفي غليلهم وتبدّد شكوكهم بما يسمعونه هنا وهناك من افتراءات وأكاذيب تريد النيل من عقائد مسيحية تخص أمنا العذراء مريم.
لقد شهد التقليد المسيحي لهذه العقيدة الإيمانية على مر الأجيال، فلقد انتشر عيد انتقال مريم العذراء إلى السماء في 15 آب منذ القرن الخامس.
لا تستند عقيدة الكنيسة الكاثوليكية بانتقال العذراء إلى السماء إلى أيّة شهادة تاريخية مقبولة علمياً، لقد وضعت الأناجيل المقدسة القانونية وأعمال الرسل العذراء مريم في الظل. وقلّما تحدثت عنها، فلا ذكر لرقادها أو موتها أو قيامتها أو صعودها إلى السماء، ويرى البعض أن الأسفار المقدّسة أتت على ذكر امتيازاتها بطريقة مبطّنة ضمنية ولا سيما في سفر التكوين (3: 15 و16 إنتصار العذراء مع ابنها على الخطيئة والموت). وفي الفصل الأول من انجيل لوقا (مريم ممتلئة نعمة ومباركة في النساء). ورسالة القديس بولس إلى أهل روما (8) ورؤيا القديس يوحنا الحبيب (12).
أما تاريخ التقليد المسيحي مدة القرون الخمسة الأولى، شحيح بالمعلومات والمعطيات، ما خلا الأناجيل المنحولة الموضوعة. وإن الحجج التي يستلخصونها من هذا التاريخ غير قاطعة. فعقيدة انتقال العذراء بنفسها وجسدها إلى السماء وتمجيدها لا تستند إلا إلى النقاط التالية:
1. إيمان الأجيال المسيحية المتعاقبة بهذه العقيدة وقد ورثته من الرسل والآباء القديسين.
2. الحجج اللاهوتية المستنتجة خصوصاً من عقيدة الأمومة الإلهية.
3. من سلطة الكنيسة لأن المسيح وعدها أن يكون معها إلى منتهى الدهــر. (متى 28: 20)
وبالإضافة إلى هذه كلها نسأل "ولكن لماذا الانتقال؟"... يجيب القديس يوحنا الدمشقي: "كما أن الجسد المقدّس النقي، الذي اتخذه الكلمة الإلهي من مريم العذراء، قام في اليوم الثالث، هكذا كان يجب أن تُؤخذ مريم من القبر، وأن تجتمع الأم بابنها في السماء".
البابا بيوس الثاني عشر، رأس الكنيسة الكاثوليكية، بادر في عام 1946 بأخذ آراء الأساقفة الكاثوليك في العالم أجمع بشأن تحديد عقيدة انتقال مريم العذراء بنفسها وجسدها إلى السماء. فتهلل العالم الكاثوليكي بأسره آنذاك وتقبّل معظم أساقفته هذه البادرة البابوية بفرح عظيم. وانصبّ اللاهوتيون على درس هذه المسألة باهتمام بالغ.
وفي الأول من تشرين الثاني 1950 أعلن قداسة البابا بيوس الثاني عشر انتقال العذراء مريم بنفسها وجسدها إلى السماء عقيدة إيمانية: "إنها لحقيقة إيمانية أوحى الله بها، أن مريم والدة الإله الدائمة البتولية والمنزهة عن كل عيب، بعد إتمامها مسيرة حياتها على الأرض نُقِلَت بجسدها ونفسها إلى المجد السماوي".
تتفق الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية بانتقال العذراء نفساً وجسداً إلى السماء. فبالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية موضوع انتقالها إلى السماء نفساً وجسداً هو تقليد أبوي إيماني، وبالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكية هو عقيدة لاهوتية. أما بالنسبة للإصلاحيين، فقد اكتفى لوثر بالقول في 15 آب 1522: "لا نستطيع من الإنجيل أن نستنتج طريقة وجود العذراء في السماء ومصير القديسين، بل تكفي معرفتنا أنهم يحيون مع المسيح: (ما كان الله إله أموات بل إله أحياء - متى 22 : 32)" كتب بولينجر عام 1565: " لنكتفِ بالإيمان بأن العذراء مريم هي فاعلة الآن في السماء مشتركة في كل السعادة". وكتب عام 1568: "لقد انتقلت بالنفس والجسد في عربة من نار، ولم يدفن جسدها في أية كنيسة بل صعد إلى السماء".
إن مريم بانتقالها إلى السماء تدعونا اليوم لنعيد النظر في نوعية إيماننا وصلاتنا ومحبتنا. إنها تريد أن ننتقل من اليأس إلى الرجاء، من الخطيئة إلى البرارة، من الحقد إلى المسامحة... إنها تدعونا لكي نزيل الحواجز من أعماقنا فننفتح على الله وعلى الآخرين بالمحبة والتسامح والغفران، وخاصة الذين يجمعنا معهم الإيمان الواحد، وأن لا نجعل من الألفاظ والتعابير الفلسفية واللاهوتية وحتى من الطقوس والمذاهب والقوميات حاجزاً يبعدنا ويفرّقنا عن بعضنا، بل نتمسّك بما يوحدنا جميعاً، جوهر إيماننا الذي لا يختلف عليه مسيحي حقيقي واحد يعيش في العالم... ألا وهو يسوع المسيح ابن الله مخلص البشرية... إنجيل واحد... معمودية واحدة... وذبيحة إلاهية واحدة تضمنا جميعاً إلى جسد يسوع السري، الذي يتمثل بكنيسة واحدة، جامعة ومقدسة ورسولية، فنعيش بالمحبة والأخوَّة ونحقق رغبة يسوع في الوحدة المسيحية الحقيقية الشاملة لنبني معاً ملكوت الله على الأرض.
----------
المصادر:
- كتاب "السلاسل التاريخية" للمطران ميخائيل الجميل، الزائر الرسولي لأوروبا.
- كتاب "مريم العذراء في لاهوت الكنائس الإنجيلية" للمطران كيرلس سليم.
- كتاب "إنجيلك نور لحياتي" للأب لويس كويتر المخلصي.