بواسطة: jecjordan بتاريخ : الثلاثاء 02-02-2010 07:55 صباحا
كان العهد القديم يطلب من المرأة أن تتقدّم إلى الهيكل من أجل تنقيتها. بعد أربعين يوماً لولادة الصبي (80 يوماً لولادة البنت). تأتي إلى الهيكل ومعها حمل أو زوجا حمام. هذا ما كان يقوم به والد الولد. جمع لوقا نصوصاً عديدة، وهمّه أن يحدّثنا عن تقدمة يسوع إلى الهيكل.
جميع الأشخاص الذين نجدهم حول يسوع في الهيكل، يتميّزون بحبّهم للشريعة. قدّم يوسف ومريم يسوع، كما قدّمت حنة، أم صموئيل، ابنها للرب طوال أيام حياته (1 صم 1: 28). وسمعان هو صورة البار الذي "ينتظر عزاء إسرائيل". أوحى إليه الروح فأجلس يسوع كملك في أقدس مكان من العالم اليهودي: حمل قيم الشعب اليهودي وآماله، فامّحى واختفى لأن "عزاء إسرائيل" أي مجيء الزمن المسيحاني هو حاضر الآن في شخص هذا الطفل، في شخص يسوع.
ورسم سمعان في نشيده الخطوط الكبرى لرسالة يسوع: فالذي يحمله على ذراعيه هو الخلاص الذي وعد به أشعيا (45: 5) كلّ جسد، كلّ بشر. والذي أعلنه زكريا، والد يوحنا المعمدان "خلاصاً لنا من أعدائنا" (1: 71). والذي حدّثنا عنه اشعيا الثاني على أنه "نور الأمم ليحمل خلاصي إلى أقاصي الأرض" (42: 6)، يتجاوز بشموله ما أعلنته الكتب المقدسة. الكون كله مدعوّ إلى الخلاص: شعب الله في العهد القديم وجميع الأمم الوثنية.
وتدخّلت حنة النبية، فلعبت دور الشاهد الثاني كما تقول الشريعة (تث 19: 15: بفم شاهدين)، وحملت بعض النور على أثر نبوءة مطبوعة بالعتمة والظلمة. ورُسم برنامج كامل. فنحن نشاهد بين هذين العجوزين وهذا الولد عبوراً يذكّرنا بالانتقال من عالي الشيخ إلى صموئيل الصبي (1 صم 3: 19). فبين الاعتراف بيسوع في فم شاهدين هما سمعان وحنة، وبداية حياة يسوع العلنية، أقحم حدثٌ واحد هو مجيء يسوع الثاني إلى الهيكل، وأوّل كلمة قالها يسوع في بيت أبيه.
أما الآن، فيسوع قد قدّمه إلى الهيكل والدان تهمّهما متطلّبات الشريعة بحرفيّتها. واستقبله مؤمنون عمل فيهم الإنتظارُ عملَه فكانوا أمناء له. لقد بدا يسوع ذاك الآتي ليحقّق الأزمنة الأخيرة. وهؤلاء المؤمنون هم كلهم مساكين الرب وفقراؤه. عاشوا السهر والانفتاح على الله. والذين يشبهونهم سيعرفون أن يروا في يسوع الخلاص المقدّم إلى الوثنيّين.
التقدمة هي سرّ من أسرار الفرح يعلّمنا الطاعة. ولكن من يحب الطاعة في عصر يقول فيه الطفل ابن السنتين: لا ثم لا؟ من الصعب أن نبدّل افكارنا. والحديث عن الطاعة يوقظ فينا صوراً لا نريدها: الإكراه، الإذلال، الثورة. أو: الاستقالة، الخنوع، العبودية. ولكننا في هذا الإنجيل، نذهب إلى الطاعة باندفاع اسمه التكريس. "حمل والدا الطفل يسوع إلى أورشليم ليقدّماه للرب، كما هو مكتوبٌ في شريعة الرب: كل بكر فاتح رحم يكون مكرّساً للرب".
"حسب الشريعة". خضعت مريم ويوسف للشريعة. وكان يسوع طائعاً في أيديهما. "حملاه". قدّماه للرب. حين نطيع لنكون للرب، تتّخذ الطاعة وجه الفرح، وجه الحبّ. والطاعة بدون حبّ تدلّ على الحزن.
لتحيَ الطاعة المحبّة! ولكن ليس هذا بالأمر البسيط. لقد بدأ يسوع يسير في طريق طويل. سيقول لنا لوقا فيما بعد: "كان خاضعاً لهما" (2: 51). ولكنه سيكون في الثانية عشرة من عمره ذلك "الهارب" والذي سيقدّم جواباً حاداً جعل والديه يتعجّبان. قال: "لماذا بحثتما عني؟ أما تعرفان أنه يجب أن أكون في بيت أبي" (2: 50)
وقال لوقا دون أن يلطّف كلامه: "لم يفهما معنى كلامه". كم من الأهل يستصعبون أن يفهموا أن أوامرهم وسكوتهم قد تكون توجيهاً نحو الآب.
ولكن الثمن قد يكون غالياً وغالياً جداً. قال سمعان لمريم: "سيطعن سيف في قلبك". فالذهاب إلى الله والبحث عن رضى الله في الوضع الذي نعيش سيكون أولاً أو آخراً "طريق الدم". لقد كان يسوع طائعاً حتى الموت والموت على الصليب (فل 2: 8). ويسوع الإبن الحبيب "تعلّم الطاعة بالألم الذي تحمّله" (عب 5: 8).
ونطرح السؤّال: هل الطاعة سرّ من أسرار الفرح، نعم أم لا؟ هنا لا بدّ من العودة إلى المحبّة. تكون الطاعة فرحة حين تذهب إلى العمق وتتجاوز نفسها. تكون فرحة حين نعرف أننا في الألم وأبعد من الألم، نحن للرب، مكرّسين له.
هنا يحدّد موقع الطاعة: نتأكد أن أفراحنا لا تكون أفراحاً حقيقية إلا إذا كنّا للرب. والطاعة تكون صالحة لأنها توجّهنا دوماً إلى الرب وتحوّل إليه أنظارنا.
عيد التقدمة كعيد الغطاس يشعّ أمام شمعة مضاءة لتحتفل بالمسيح، نور العالم. منذ البداية فهم يسوع أنه النور الذي جاء لينير العالم. لهذا تعود الليتورجيا المسيحية مراراً إلى رموز النور والنار.
أما في نظر المسيحيين، فيسوع المسيح هو النور الذي لا غروب له، كما يقول اكلمنضوس الإسكندراني. وتحيّي الليتورجيا يسوع: إنه الكوكب المشرق الذي جاء يفتقدنا. وتردّد نشيد سمعان عن "النور الذي ينكشف للأمم". هذه الشمس هي هنا في بداية النهار ونهايته. الشمس هي دوماً هنا. والمسيح أيضاً. إنه النور الذي لا ظلام فيه، والنهار الذي لا ليل له.